السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
49
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
تعود إلى الاسلام ، هي اعتماد النهج المتوازن الوسط بين المادية والمعنوية . وهذا الاعتدال هو من أهمّ خصائص هذا الدين السماوي خلافا لما عليه اليهودية التي لا ينطوي كتابها المقدّس « التوراة » على أية ميول معنوية ، وخلافا أيضا للمسيحية التي تنسب إلى السيّد المسيح إهمال الحياة المادية والعزوف عن الدنيا « 1 » . ولا يختلف الحال كثيرا حين نصل إلى الاتجاهات المذهبية الأخرى كالبرهمية والبوذية ، بل وحتى المجوسية والمانوية الصابئية ، فهذه الأخيرة رغم عنايتها بدرجة وأخرى بالجانب المعنوي ، إلّا انها تفصل - بشكل كامل - النهج المعنوي عن نهج الحياة المادية . وبذلك يبقى الاسلام الدين الذي يحافظ على سمة الاعتدال ويقوم على أساس الفطرة الانسانية . ولتوضيح ما نريد ان نصل إليه ، نجد انّ هناك فئة من الناس نستطيع ان نقول انّها تشكل أغلبية أبناء النوع البشري ، لا همّ لها في الحياة سوى التقدم على طريق تحقق الأهداف المادية المحضة ، ولا يشغلها سوى السعي الحثيث من أجل الجاه والمقام والمال واشباع لذائذها المادية . هؤلاء يصرفون جهدهم في تأمين المعاش ، من دون ان نلمس في حياتهم ابسط توجّه خارج اطار الحياة الدنيوية العابرة وبعيدا عن العالم المادي .
--> ( 1 ) ورد هذا المعنى في النقاش الذي دار بين السيد وبين هيروديس على شكل سؤال وجواب حول محنة السيد المسيح . والمفهوم بعينه مبثوث في الأناجيل المتداولة ، مضافا إلى الرسالة التأريخية التي ادرجها مؤلف كتاب « قصة البشر » أثناء حديثه عن قصة المسيح ، ومضمونها صريح في تأكيد هذه المعاني .